الذكاء الاصطناعي لن يبني المستقبل وحده.. الدكتور زكرياء بوسحاب يوضح الرهان الحقيقي
وجاء ذلك خلال مداخلة علمية ألقاها الباحث ضمن أشغال الندوة الوطنية التي نظمتها الجمعية المغربية للحكامة وريادة الأعمال والأداء، بشراكة مع المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بمراكش، حول موضوع "تحولات الأسرة المغربية ونموذج التنمية 2035".
وحملت المداخلة عنوان "الأسرة المغربية والذكاء الاصطناعي: من الفجوة الرقمية إلى التنمية الدامجة"، حيث قدم الدكتور بوسحاب مقاربة متعددة التخصصات، جمعت بين التحليل السوسيولوجي والبعد القانوني والرؤية المقاصدية، بهدف استقراء التحولات البنيوية والوظيفية التي تعرفها الأسرة المغربية في ظل الانتشار الواسع للوسائط الرقمية والخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وأوضح الباحث أن مفهوم الفجوة الرقمية لم يعد يقتصر على محدودية الولوج إلى الوسائل التكنولوجية، بعدما أصبحت الهواتف الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي متاحة لشريحة واسعة من المواطنين، بل بات يتمثل أساسًا في ضعف الوعي الرقمي وسوء استعمال هذه الوسائط، وما يرافق ذلك من انتشار للأمية الرقمية التي تحد من قدرة الأفراد على إدراك المخاطر المرتبطة بالفضاء السيبراني.
وأشار إلى أن امتلاك التكنولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك الكفايات الرقمية، مبرزًا أن العديد من المستخدمين يمنحون التطبيقات والمنصات الإلكترونية صلاحيات واسعة أو يوافقون على شروط الاستخدام دون الاطلاع على مضامينها، الأمر الذي قد يعرض معطياتهم الشخصية وخصوصيتهم لمخاطر متعددة.
كما توقف الدكتور بوسحاب عند الدور المتزايد للخوارزميات الذكية، موضحًا أنها لم تعد مجرد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت قادرة على التأثير في اختيارات الأفراد وصناعة تفضيلاتهم من خلال آليات رقمية تستثمر الجوانب النفسية والسلوكية للمستخدمين، بما قد يدفعهم إلى اتخاذ قرارات دون إدراك كامل لتداعياتها.
وفي السياق ذاته، حذر الباحث من هشاشة الأطفال واليافعين داخل البيئة الرقمية، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للتأثر بالمحتويات المضللة والاستدراج الرقمي، نتيجة محدودية خبراتهم وضعف مناعتهم الفكرية والثقافية والرقمية، وهو ما يفرض، بحسبه، تعزيز دور الأسرة والمؤسسات التربوية في مواكبة استعمالهم للتكنولوجيا.
ولم تقتصر المداخلة على تشخيص التحديات، بل قدمت تصورًا عمليًا للانتقال من الفجوة الرقمية إلى التنمية الدامجة، يرتكز على ترسيخ ثقافة رقمية داخل الأسرة، وتأهيل الآباء والأمهات لمواكبة الأبناء في الفضاء الرقمي، وإدماج التربية الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن المناهج التعليمية، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية، بما يضمن استخدامًا آمنًا ومسؤولًا للتكنولوجيا.
وأكد الدكتور زكرياء بوسحاب أن تحقيق التنمية الدامجة في العصر الرقمي يقتضي الاستثمار في الإنسان قبل التكنولوجيا، من خلال تنمية كفاءاته الرقمية وتعزيز قدرته على التفكير النقدي والتمييز بين الاستخدامات النافعة والضارة، حتى يتحول الذكاء الاصطناعي إلى محرك للتنمية بدل أن يصبح عاملًا لإنتاج أشكال جديدة من الإقصاء والهشاشة.
وقد لقيت المداخلة تفاعلًا لافتًا من قبل المشاركين في الندوة، بالنظر إلى ما تضمنته من قراءة علمية متكاملة ومقترحات عملية تواكب النقاش الوطني حول مستقبل الأسرة المغربية في ظل التحول الرقمي.
واختتم الباحث مداخلته بالتأكيد على أن مستقبل الأسرة المغربية لن تحدده سرعة تطور التكنولوجيا، وإنما مدى قدرتها على بناء ثقافة رقمية واعية ومسؤولة تجعل من الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإنسان، ورافعة حقيقية لتحقيق التنمية الدامجة.
.jpg)