يُقدّم الكاتب نبيل محسن علي سالم، من خلال مؤلفه نهاية مشكلة الاسكان، تصورًا اقتصاديًا بديلًا يسعى إلى إعادة مساءلة الأسس التي تقوم عليها النماذج الاقتصادية المعاصرة، سواء الرأسمالية أو الاشتراكية، في ضوء التحديات المرتبطة بالتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
وينطلق هذا المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن الاقتصاد لم يعد مجرد آلية تقنية لتوزيع الموارد، بل أصبح منظومة حاكمة لتوجيه العلاقات الاجتماعية والإنسانية، بما يستدعي إعادة ربطه بالبعد الأخلاقي والقيمي، وإعادة تعريف علاقة الإنسان بالمال والملكية.
وفي هذا السياق، يناقش المؤلف أزمة السكن باعتبارها نتيجة مباشرة لتحول العقار إلى مجال مضاربة مالية، تتداخل فيه مصالح المستثمرين والقطاع البنكي والسياسات العمومية، مما أدى إلى ارتفاع غير متوازن في الأسعار وتفاقم الفوارق الاجتماعية، بدل أن يؤدي الاستثمار العقاري إلى تحقيق التوازن السكني.
كما يتناول إشكالية التدخين من منظور تنظيمي تدريجي، يقوم على الحد من انتشار الظاهرة عبر وقف انتقالها إلى الأجيال الجديدة، بدل الاقتصار على المقاربات التقليدية القائمة على المنع والعقوبات.
ويطرح الكاتب أيضًا تصورًا نقديًا للنظام النقدي المعاصر عبر اقتراح وحدة قياس نقدية بديلة تُسمى “الجنيه القيم”، تعتمد على سلة من السلع الأساسية، بهدف الحد من آثار التضخم، وتوفير مرجع أكثر استقرارًا في المعاملات الاقتصادية والعقود طويلة الأجل.
ويمتد هذا التصور ليشمل إعادة هيكلة بعض آليات التمويل، من خلال اقتراح “بيت التمويل الوطني” كنموذج مؤسساتي بديل، يقوم على ضبط العلاقة بين الادخار والتمويل وفق معايير مرتبطة بالقيمة الحقيقية للعملة، إضافة إلى إنشاء مؤسسات متخصصة في دعم الصادرات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما يقترح المؤلف نموذجًا بديلًا للتأمين الصحي يقوم على منطق الحساب الفردي القابل للاسترجاع أو التوريث، بدل النماذج التقليدية القائمة على الاشتراكات غير الفردية، بما يعزز الشفافية والعدالة في الاستفادة من الخدمات الصحية.
وفي مستوى أوسع، يدعو الكاتب إلى تجاوز إشكالية تشتت العملات الوطنية عبر اعتماد آليات مرجعية موحدة لتسهيل التبادل التجاري الدولي، مع التأكيد على ضرورة حماية الأراضي الزراعية من التفتت والمضاربة العقارية، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية.
ويخلص المؤلف إلى أن بناء نموذج اقتصادي بديل يظل مشروعًا مفتوحًا للنقاش والتطوير، يقوم على إعادة ربط الاقتصاد بالقيم الأخلاقية والتنموية، وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة، بما يجعل الإنسان في قلب العملية الاقتصادية بدل أن يكون مجرد عنصر تابع لمنطق السوق.
.jpg)